ابن هشام الأنصاري

144

شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب

لأيّ ، و ( عَلَى الرَّحْمنِ ) متعلق بأشد ، و ( عِتِيًّا ) تمييز ، وكان الظاهر أن تفتح أيّ ؛ لأن إعراب المفعول النصب ، إلا أنها هنا مبنية على الضّمّ لإضافتها إلى الهاء والميم وحذف صدر صلتها ، وهو المقدر بقولك « هو » . ومن العرب من يعرب أيّا في أحوالها كلها ، وقد قرأ هارون ومعاذ ويعقوب « أيّهم أشدّ » بالنصب ، قال سيبويه : وهي لغة جيدة ، وقال الجرميّ : « خرجت من الخندق - يعني خندق البصرة - حتى صرت إلى مكة ، فلم أسمع أحدا يقول : « اضرب أيّهم أفضل » أي كلهم ينصب ولا يضم « 1 » . والمعنى أقسم بربّك لنجمعنّ المنكرين للبعث وقرناءهم من الشياطين الذين أضلّوهم مقرّنين في السلاسل كلّ كافر معه شيطانه في سلسلة ، ثم لنحضرنّهم حول جهنم جاثين على الرّكب ، ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا : أي جراءة ، وقيل : فجورا وكذبا ، وقيل : كفرا ، أي : لننزعنّ رؤساءهم في الشرّ فنبدأ بالأكبر فالأكبر جرما ، [ والأكثر جراءة ] ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا [ مريم ، 70 ] أي أحقّ بدخول النار ، يقال : صلي يصلى صليّا ، كما يقال : لقي يلقى لقيّا ، ويقال : صلى يصلي صليّا مثل مضى يمضي مضيّا . ثم قلت : أو الضّمّ أو نائبه ، وهو المنادى المفرد المعرفة ، نحو « يا زيد » و « يا جبال » و « يا زيدان » و « يا زيدون » .

--> ( 1 ) ذهب جماعة من النحويين إلى أن « أي » في الآية الكريمة ليست موصولة ولكنها استفهامية ، وهي مبتدأ ، وأشد : خبر ، ثم اختلفوا في مفعول ننزع ؛ فقال الخليل بن أحمد شيخ سيبويه : مفعول ننزع محذوف ، وهو اسم موصول أو موصوف بموصول ، وصلة الموصول محذوفة أيضا ، وجملة أَيُّهُمْ أَشَدُّ من المبتدأ والخبر في محل رفع نائب فاعل لفعل في جملة الصلة ، وتقدير الكلام : ثم لننزعن من كل شيعة الفريق الذي يقال فيه أيهم أشد ، وقال يونس بن حبيب شيخ سيبويه أيضا : مفعول ننزع هو جملة « أيهم أشد » فهذه الجملة في محل نصب مفعول لننزع ، وهذا الفعل لم يعمل في لفظ الجملة ؛ لأن صدرها اسم استفهام ، واسم الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ، وقال الكسائي والأخفش : مفعول ننزع هو قوله سبحانه « كل شيعة » و « من » التي قبله حرف جر زائد كما هي في نحو قولك : ما ضربت من أحد ، وجملة « أيهم أشد » على هذا القول لا محل لها من الإعراب مستأنفة ، وهذه المذاهب كلها مردودة ، والصواب في هذه المسألة ما ذكره المؤلف ، وهو مذهب سيبويه رحمه اللّه !